نصر حامد أبو زيد

83

الاتجاه العقلي في التفسير

5 - الدلالة اللغوية وشرط القصد بعد أن انتهينا من مناقشة الجوانب المتعددة لشرط المواضعة الذي بدونه لا يصحّ وقوع الكلام دلالة ، من الضروري - أيضا - أن نناقش الجوانب المختلفة لمفهوم « القصد » الشرط الثاني للدلالة الكلامية . وأول هذه الجوانب معنى « القصد » عند القاضي عبد الجبار . وقد لاحظنا - من قبل - أن الباقلاني لم يشترط في حديثه عن الدلالة الشرعية والدلالة اللغوية سوى شرط المواضعة والمواطأة ، ولم يتعرض لشرط القصد من بعيد أو قريب . وأول معنى من معاني « القصد » عند القاضي عبد الجبار يمكن لنا أن نتلمّسه في حديثه عن علاقة الاسم بالمسمى ، وهي قضية خلافية - أيضا - بين المعتزلة والأشاعرة . ولقد كان من نتائج تسوية الأشاعرة بين المعنى النفسي والكلام أنهم على مستوى الدلالة اللغوية لم يفرّقوا بين الاسم والمسمى واعتبروهما شيئا واحدا « إن الاسم هو المسمى بعينه وذاته والتسمية الدالّة عليه تسمى اسما على سبيل المجاز » 150 وقد كانت التفرقة بين المعاني النفسية والكلام هي المقدمة الطبيعية لتفرقة المعتزلة بين الاسم والمسمى ، واعتبار الاسم إشارة إلى المسمى . غير أن هذا الخلاف يرتدّ - بدوره - إلى قضية الخلاف حول صفات اللّه عز وجل - ومنها صفة الكلام - وحول حدوثها وقدمها . واتفق المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية على أن « أسماء الباري هي غيره وكذلك صفاته » وذهبوا إلى أن « الأسماء والصفات هي الأقوال ، وهي قولنا اللّه عالم ، اللّه قادر ، وما أشبه ذلك » 151 وكان من الطبيعي أن يمتدّ هذا الخلاف ويسحب ظلّه على قضايا الدلالة اللغوية . وكلا الفريقين على أي حال متسق مع وجهة نظره العامة في التوحيد والكلام والمواضعة اللغوية . وكان على المعتزلة أن يكشفوا - بطريقة أو بأخرى - عن طبيعة العلاقة بين الاسم والمسمى . تلك العلاقة التي سكت عنها الأشاعرة بحكم توحيدهم بين الكلام والمعاني النفسية ، ومن ثمّ بين الاسم والمسمى . ومن الطبيعي كذلك أن يدور هذا الخلاف حول الآية التي سبق أن دار الخلاف حولها في قضية المواضعة وهي قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ( البقرة / 31 ) . ومن استعراض آراء المفسّرين القدماء لهذه الآية لا نجد أي ظل لهذا الخلاف 152 غير أن الطبري نفسه ( ت 310 ه ) وهو أقرب إلى أهل السنة منه إلى المعتزلة - يفرّق بين الاسم